علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
99
ثمرات الأوراق
موفّق الدين بن الخلّال وذكر ضياء الدين أبو الفتح نصر اللّه المعروف بابن الأثير الجزريّ في كتابه المسمّى ب « الوشي المرقوم في حلّ المنظوم » ، قال : حدثني الفاضل عبد الرحيم بن علي البيسانيّ بمدينة دمشق سنة ثمان وثمانين وخمسمائة للهجرة ، وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصّلاحية أنّ فنّ الإنشاء كان في زمن الدولة العلوية غضّا ، وكان ديوان الإنشاء لا يخلو من رئيس يرأس مكانا وبيانا ، وكان إذا أنشأ أقام السلطان بإنشائه سلطانا ، وكان من العادة أنّ كلّا من أرباب البيوت إذا نشأ له ولد أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلّم فنّ الكتابة ، ويتدرّب ويسمع ، فأرسلني والدي - وكان إذ ذاك قاضيا بثغر عسقلان - إلى الديار المصريّة في أيام الحافظ العبيديّ وهو أحد خلفائها ، فدخلت ديوان المكاتبات ، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام وهو صاحب الإنشاء بمصر موفّق الدين أبو الحجّاج يوسف المعروف بابن الخلّال ، فلمّا مثلت بين يديه ، وعرّفته من أنا ، وما طلبي ، رحّب بي ، ثم قال : ما الذي أعددت لفنّ الإنشاء وكتابته ؟ فقلت : ليس عندي سوى أنّي أحفظ القرآن الكريم وكتاب « الحماسة » ، فقال : في هذا بلاغ . ثم أمرني بملازمته ، فلمّا تردّدت إليه ، وتدرّبت عليه ، وطال تدريبي بين يديه ، أمرني أن أحلّ عليه ديوان الحماسة ، فحللته من أوّله إلى آخره ، ثم أمرني أن أحلّه مرة أخرى ، فحللته . انتهى ما ذكره ابن الأثير . قلت : وقال عماد الدين الكاتب في كتاب « الخريدة » في حقّ موفّق الدين بن الخلّال ، كان فنّ الترّسّل والإنشاء آل إليه ، وكان في ذلك ناظر ديوان مصر وإنسان ناظره ، وقبلته وجامع مفاخره « 1 » . قلت : الذي ثبت وتقرر عند المؤرخين وعلماء هذا الفن أنّ القاضي الفاضل رحمه اللّه تعالى أخذ علم الإنشاء وحكمه عن موفّق الدين بن الخلّال منشئ الخليفة الحافظ العلويّ ، ورتبته في الإنشاء معلومة ، ولكن جنحت إلى الوقوف على شئء من نظمه لأنظر في الرّتبتين ، كما قررت ذلك في نظم القاضي الفاضل ونثره ، فوجدت قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان رحمه اللّه ، قد أورد له في تاريخه « 2 » نظما ونثرا دلّني على أنّ نظمه ونثره رضيعا لبان ، وفرسا رهان . فمن ذلك قوله في الشّمعة وللّه درّه حيث أجاد « 3 » : وصحيحة بيضاء تطلع في الدّجى * صبحا وتشفي النّاظرين بدائها
--> ( 1 ) خريدة القصر ( قسم شعراء مصر ) 1 / 235 . ( 2 ) ابن خلكان 2 / 407 - 409 . ( 3 ) الخريدة : 1 / 236 .